طَرَقَتْكَ - زائرةً - فَحيِّيْ خَيَالَها ..
شريف الترباني
أعجبني بيتان من الشعر للشاعر مروان بن أبي حفصة ، فيهما جمال الشعر العربي ، وأنه يرتقي على قمة أشعار الأمم الأخرى ، كيف لا ...وهو من اللغة التي سادت اللغات وبهرت العقلاء لغة القرآن ولغة العرب سادة البيان والفصاحة :...
طرقَتْكَ زائرةً فَحَيِّيْ خيالَها .... بيضاءُ تَخْلِطُ بالجمالِ دَلالَها
قادتْ فُؤادَكَ ، فاستقادَ،ومثلُها .... قادَ القلوبَ إلى الصِّبا فأمالَها .
فشاعرُنا يصف خيالَ المحبوب زائرا له ليلاً ثم يأخذُ بنعتِ أوصافه المليحة التي راقتْهُ وجعلتْ قلبَه في شراكها يقع ...
فبدأ بالفعل ( طرق ) ، والطروق لا يكون الا ليلاً ، فكلُّ من جاءك ليلا فهذا يُسَمَّى طارقاً قال تعالى عن النجم : (( والسماءِ والطارقِ وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب ...)) فالنجم يسمى طارقا لظهوره ليلا فقط .
فخيالُ المحبوبة لا يطرقه الا ليلا ، لان الليل هو مظنَّةُ اجترارِ الذكريات ، وكأنها حتَّى في خيالها ( حَيِيَّةٌ ) تخجلُ من العيون فتزورُ ليلا خوفَ الوشاة وخوف الأرصاد ...
وقال عنها : أنها زائرةٌ غير مقيمة ، لأن الزائر مصيره الرحيل ، ولذلك استدلَّ ذلك الاعرابي على ( البعث ) من قوله تعالى : (( ألهاكم التكاثرُ حتى زُرْتُم المقابر ... )) فقال الاعرابي : والله لتبعَثُنَّ لأن الزائر ليس بالمقيم ...!!!!
فقام شاعرنا باستقبالها بالتحية والترحيب كما هي عادة العرب فيمن طرقهم ليلا من الضيفان وغيرهم ، ثم قام بذكر نعوتها وأوصافها – رغم أنها خيال _ فوصفها بالبياض وهي صفة ممدوحةٌ في النساء ، فلذلك وصف الله حُوْرَ العين في الجنَّة بهذا اللون : ((وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون )) وقال تعالى : ((كأمثال اللؤلؤ المكنون ))
وهذا اللون هو البياض المشرب بِصُفْرةٍ ، قال غيلان بن عقبة يصف محبوبته ( مي ) :
بيضاء ُفي دَعَجٍ، صفراء ُفي نَعَجٍ .... كأنَّها فضةٌ قد مَسَّـهـا ذهبُ .
فهي على قدر من الجمال الفائق الرائق ، والجمالُ لوحده لا يكفي بل لا بدَّ من جمال الروح فقال : (( تخلط بالجمال دلالها )) ، فقد تجد بعض النساء جميلة المنظر والمحضر ولكنها سيئةُ الروح عَسِرَةٌ نَكِدَةٌ تجعل من اتصل بها في جحيمٍ رغم جمالها الخارجي .
لكنَّ شاعرنا وصفها بالجمالين الخارجي والروحي ( دلالها ) .
هذه المحبوبة قادت الفؤاد ولم يقل الشاعر ( القلب ) لأن الفؤاد هو مركز ( العواطف )ولأننا نعلم أن هناك فرقاً دقيقاً بين القلب والفؤاد ، وكثير من الناس يخلط هذا بهذا ... ومن الادلة على ذلك ورود لفظة القلب ولفظة الفؤاد في القرآن لمعانٍ مختلفةٍ تدلُّ على هذا الفرق الدقيق ، وكلنا نعلم أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه اسماعيل عليه السلام وزوجه هاجر في وادٍ غير ذي زرع ، لكن الله جعل الأفئدة تَحِنُّ وتطيرُ شوقا وبالأشواق إلى هذا المكان الخالي من مُقوِّمات الحياة آنذاك قال تعالى : ((فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم )) ، ولولا هذه العواطف الجيَّاشة ما طار الناس لهذا ، لكن شاعرنا في عَجُزِالبيت الثاني سيذكر لفظة ( القلوب ) في موطن الانقياد ...!!!!
ففؤاد شاعرنا انقاد لهذه المحبوبة لما جمعتْ من أسباب الجمال الخارجي والروحي ، فما كان مصيرُه الا ان يكون منقادا سلسلا من غير أي اعتراض ... فأراد شاعرنا أن يبرر هذا الانقياد وهذا الانجراف وراء هذه المحبوبة ، فأخذ يقول : مثلُ هذه الفتاة قادت القلوب الى خطراتها وطيشها ولعِبِها زمن الشباب ....
فليس عجبا أن انقاد الى مثلها اذ هي قادت كثيرا قبلي !!!
العودة إلى صفحة الكاتب