المقالات

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ

٢٢ مارس ٢٠١٤ · صحيفة السوسنة

شريف الترباني

عنترة العبسي شاعرٌ وفارسٌ اشتهر شُهْرةً مُطْبِقَةً ، فمنْ أحبَّ الفروسيَّةَ والاقدام تَغَنَّى بشعره ، ومن أحبَّ الغزل والنسيب لَهِجَ بشعره أيضا ، بل من أحبَّ العِفَّة وصون الجارة رددَ بيته الشَّرود :

وأغُضُّ طَرْفي إنْ بَدَتْ لي جارتي

................ حتَّى يُوَاري جارتي مأواها .

ولقد وَضَع الوَضَّاعون عليه حديثاً عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( ما وُصِفَ لي أعرابي قط ، فأحببْتُ أنْ أراه إلا عنترة ) ، وهو حديثٌ منكرٌ !

وكُلُّ ذلك لشهرتِه المطبقة التي عرفها معظمُ العرب وغيرهم ...

وعنترة من الشعراء الذين اقتصروا في حُبِّهم على واحدة وهي ابنة عمِّه ( عبلة ) ، فلا تكاد تجد قصيدة له تخلو من ذكرها والتشبيب بها ، وهذا يَدُلُّ على الصدق والوفاء والاخلاص ، وندللُ على ذلك ببيتين من روائعه الشعرية ، وفعْلُنا ذلك لنثبتَ للشباب العربي أن شعرنا ولغتنا هي مواطن الجمال والاتقان ليس أولئك ( النوابت ) الذين شوَّهوا لغتنا وآدابَنا من أمثال جبران ودرويش ... والحداثيين .

قال عنترة في صدقه لابنة عمِّه ( عبلة ) :

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ

........ مني وبيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دمي

فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنَّها

....... لَمَعَتْ كبــارقِ ثَغْرِكِ المتبسمِ .

فعنترةُ في صدد وصف المعركة التي خاضها مع الاعداء ويصف بطولتَه وشجاعتَه ، وفي هذا الظرف الحَرِجِ الذي ينسى الخليلُ خليلَه ، ويفرُّ الكُماةُ عن الاب والابن والحليلةِ ، عنترةُ يخبرنا أن ( عبلة ) معه في هذا الموقف الصعب بل يذكرها والرماحُ تنهلُ من دمه والسيوف تقطر من مهجتِهِ !

فعنترة يؤكِّدُ ذكرَه لمحبوبته (علبة ) في ذلك الظرف الصعب باستعمال لام جواب القسم وحرف التحقيق ( قد ) ( ولقد ... ) لأن التوكيد هنا في محلِّه لأن غالبَ الناس في هذه المواقف ينسون كلَّ شيء الا النفس وسُبُلَ النجاةِ بها ، لكنَّ عنترة الفارس العاشق كان ذكرُ ( عبلة ) هو المسيطر عليه في هذا الموقف ، فهي لمحةٌ من عنترة مفادُها : ( هذا الموقف الرهيب لم ينْسِني ذكرَكِ ، فكيف بمواقف الرخاء والهدوء والسَّعة ؟!! ) .

فهي حاضرة في فؤادِه ؛ ولذلك عبَّر عنها بكاف الخطاب ( ذَكَرْتُكِ ) رغم بعدها عن موطن المعركة ...

وذكر عنترةُ من أدوات السلاح نوعين هما : ( الرماح ، و البيض ) والبيض هي السيوف الهندية القوية ... وعادة الابطال في ذكر هذين النوعين لاثبات شيئين :

1- القوة والصلابة في ذكر الرمح وطوله ؛ لأنه لا يقوى على حمل الرمح والتلويح به الا من كان ذا بنية قوية وجسم طويل رشيق .

2- الشجاعة والاقدام وقوة القلب مع ذكر السيف ؛ لأن السيف هو الالتحام والاقتراب من الاقران والكُماة ... فالجبان لا يجرؤ على ذلك بل يفرُّ فرار النعامة !

وذكر عنترةُ نهلَ الرماح من دمه ، والنهل هو الشربُ أوَّل مرة ، والعَلَلُ الشرب ثانية ، وعنترة له تلميحٌ باستعمال ( النهل ) دون العلل ، لأن النهل هو الصدمة الاولى وفي هذه الفترة قد يرتبك الفارس ويندهش ويكون جُلُّ تفكيره في نجاة نفسه واتقاء الخطر ، إلا ان ذلك لم يمنعه من ذكر ( عبلة ) ووصف مبسمها وثغرها !!!

وعند ذكر ( السيوف ) استعمل ( تقطرُ ) وهذا قمة مدح السيوف وهي تختلسُ النفوسَ اختلاسا ، وفي هذا ردُّ على تحكيم ( النابغة ) في تضعيف شعر حسان – رضي الله عنه – في القصة المشهورة التي يعرفها شُدَاةُ الأدب .

ولقد زدادَ ذكرُ عنترة لعبلة كثيرا عندما رأى بريق السيوف فذكَّرَتْهُ ببريق مبسم وثغر عبلة فوَدَّ ان ينكبَّ عليها لا لِيَكْسرها او يبددها بل ليقبلها !! ، فعبلةُ وذكرُها مطبقٌ على قلبه وذاكرته في أحلك الظروف ...

وهذا يُذكِّرُنا بفعل المؤمنين من الصحابة الكرام في معاركهم ضد المشركين ، قال تعالى :

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) .

فالمؤمنون يلهجون بذكر الله في اشد المواقف عند تطاير الرؤوس وبعج البطون وما ذاك الا لصدقهم مع الله حُبَّا وتذللا ...

العودة إلى صفحة الكاتب