( المنون ) هو الدهر ..
شريف الترباني
كلمة ( المنون ) كثيرٌ من المثقفين بل من المختصين في اللغة يذهب الى أنها جمعٌ لكلمة ( المنية ) اي الموت ...!!
ولكن الصواب عند المحققين أنها بمعنى ( الدَّهر ) وهذا ما أيَّده العلامة المحققُ ابن قتيبة في كتابه الفَذِّ ( تأويل مختلف الحديث ) حيث قال عند قول أبي ذؤيب الهذلي في تَوَجُّعِه من صروف الدهر وريبه ...:
أَمِنَ المنونِ وَرَيْبِه تتوَجَّعُ
..... والدَّهرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قال ابن قتيبه ( 293 ) هكذا أنشدنيه الرياشي عن الاصمعي عن ابن أبي طرفة الهذلي عن أبي ذؤيب ، والناس يروونه ( وريبها تتوجع ) ويجعلون المنون : المنية ! وهذا غلطٌ ، ويدُلُّكَ على ذلك قوله : ( والدهرُ ليس بمعتبٍ من يجزع ) كأنه قال :
أَمِنَ الدهرِ وريبه تتوجَّعُ
..... والدَّهرُ ليس بمعتبٍ من يجزعُ .
وقال تعالى : ( نتربَّصُ به ريبَ المنون ) أي : ريب الدهر وحوادثه ... )
الى هنا انتهى كلام العلامة ابن قتيبة – رحمه الله – وهو كلامٌ في غاية الوضوح والدقة أنَّ ( المنون ) هو الدهر لا غيرَ .
والعربُ تقول : ( لا ألقاك آخر المنون ) أي : آخر الدهر .
ومما يُقَوِّي ما ذهب اليه ابنُ قتيبة قولُ المخبَّل السعدي :
أَلَمْ تَعْلَمي يا أُمَّ عمرةَ أنَّني
..... تَخَطَّأني ريبُ الزمانِ إلا كِبَرا .
فريبُ المنون هو ريبُ الزمان أي : حوادثُ الدهر ...
وهذا فروة بن مُسَيْك المرادي – رضي الله عنه – يتوَجَّعُ من صروف الدهر وتقَلُّبِه :
كذاك الدَّهْرُ دولتُهُ سِجَالٌ
..... تَكِرُّ صُرُوْفُهُ حيناً فَحينا
وَمَنْ يُغْرَرْ بريبِ الدَّهْرِ
..... يَجِدْ ريبَ الزَّمانِ به خَؤُوْنا
إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ على أُناسٍ
..... كَلَاْكِلَهُ ، أَنَاْخَ بِآخَرِيْنا
فريبُ الدهر في أبيات فروة واضحة المعنى فهي صروف وحوادث الدهر لا غير ...
وكذلك جاء في شعر الحارت بن حِلِّزَة :
فَضَعي قِناعَكِ إنَّ ريبَ
..... الدَّهر قد أفنى مَعَدَّا .
أي : أن صروف الدهر أفنتْ مَعَدَّا وهو جدُّ العرب ...!!!
وهذا على معتقد الجاهلية ، لأنهم كانوا ينسبون الحوادثَ للدهر، كما قال عنهم ربُّنا :
( وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا ، وما يُهْلِكنا الا الدهرُ وما لهم بذلك من علمٍ إنْهم الا يَظُنُّون ) .
وبهذا المرور السريع يتبيَّنُ لنا أن ( المنون ) هو الدهر، وليس اسم جمع للمنية كما ذهب اليه بعض الناس ، ويكون قولُ ابن قتيبة صوابا .
العودة إلى صفحة الكاتب