حوار مع كاتب جزائري حول الحمار الوحشي
شريف الترباني
لقد كتبتُ مقالا قديما عن انقراض الحمار الوحشي الذي عرفته العرب في جزيرة العرب وما حولها من بوادي الشام ، وأوْضْحتُ أن لون الحمار الوحشي العربي المنقرض هو اللون الأبيض مُدَلِّلا على ذلك بأشعار العرب الذين رأوها ومارسوا صيدَها .فاعترض أخٌ فاضل من الجزائري على مقالي وهو ( حمزة الجزائري ) ونقل بعض النقولات مُدَلِّلا على تنوع ألوان الحُمُر الوحشية وسوف أنقل اعتراضه وأجعله بين قوسين ومن ثَمَّت أقوم بتعقُّبه فيما ذهب اليه .
( فقد ورد في كلام اللغويين والأدباء ما يدل على أنَّ الحمار الوحشي لم يكن على صورة واحدة بل كان ذا ألوان.
قال الدميري في (حياة الحيوان الكبرى ص357):
«وألوان حمر الوحش مختلفة، والأخدرية أطولها عمرا وأحسنها شكلا...».
«وَقَالَ ابنُ الأعرابيِّ: الخُدْرِيُّ: الحِمارُ الْأسود». (تهذيب اللغة 7/119).
قال ابن فارس في (مجمل اللغة1/943): «اليحموم: حمار الوحش، واليحموم الأسود».
فما سُمِّي كذلك إلا لكون بعض الحُمُر أسودَ.
وقال ابن مالك في (إكمال الإعلام بتثليث الكلام2/387):
«وَإِحْدَى طرتي حمَار الْوَحْش: وهما خطان أسودان على كَتفيهِ».
فهو إذًا مخطَّط الكتفين. وفي (تهذيب اللغة9/126): «وَقَالَ اللَّيْث: القُمْرة: لَوْن الْحمار الوحْشي، وَهُوَ لونٌ يَضرب إِلَى خُضْرة».
قال الحميري (ت 573) في (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم2/945):
«وقال أبو ذُؤَيب:
والدَّهْرُ لا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ
.... جَوْنُ السَّرَاةِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ
أي: أربع أتن لا لبن فيها. وقال بعضهم: الجدائد الخطوط الأربعة على ظهر الحمار الوحشي».
فهذا يدلُّ على أنه مخطَّط الظهر أيضًا، والجَون: حمار الوحش كما في المعاجم.
والله أعلم ) .
...............................
قلتُ ( شريف ) :
جاء في كتاب ( الوحوش ) للأصمعي في الحديث عن الحمار الوحشي :
( والأَخْدَرِيَّة منها ما كان من ولد حمار يقال له : ( الأَخْدَرُ ) قال الحطيئة :
أَمِنْ لِعاديةٍ كأنَّ أوارَها
.... نَقْعٌ تَعاوَرَهُ بناتُ الأَخْدَرِ ) .
فالأخدر اسم حمار تُنْسَبُ اليه طائفة من الحُمُر... كما تُنْسَبُ بعضُ الخيل إلى ( الاعوج ) ، وقلْ ذلك في الإبل ايضا .
نقل الاخ حمزة الجزائري قول الدميري : (وألوان حمر الوحش مختلفة، والأخدرية أطولها عمرا وأحسنها شكلا... ) ولم يُكمل بقية كلام الدميري في ( وهي منسوبة إلى أخدر فحلٌ كان لكسرى أردشير ، واجتمع بعانات فضرب فيها فالمتولد منها يقال له : أخدري ) ، فان تكملة النقل تُفسِدُ عليه ما ذهب اليه ؛ فلذلك عَقَّبَ قوله بقول ابن الاعرابي !!!
أما استشهادك بقول أبي ذؤيب الهذلي :
والدَّهرُ لا يبقي على حدثانه
.... جونُ السَّراة له جدائدُ أربعُ .
ونقلتَ ذلك عن الحميري ( ت 573 ) !! فإن الرواية الصحيحة في ديوان الهذليَّين جمع أبي سعيد السكري ( ت 275 أو 290 )
عن الثور الوحشي وليس عن الحمار :
والدَّهرُ لا يَبْقَى على حَدَثَانِه
.... شَبَبٌ أَفَزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ .
والشَّبَبُ هو الثورُ المُسِنُّ الذي تَمَّتْ أسنانُهُ ...
وقد علَّق الأصمعي على بيتٍ جاء في وصف الحمار الوحشي :
فَشَرِبْنَ ثُمَّ سَمِعْنَ حِسَّاً دونهُ
.... شَرَفُ الحِجَابِ ، وَرَيْبُ قَرْعٍ يُقْرَعُ .
( وهذا يُعابُ من نعتِ الحمار ، ينبغي أنْ لا يَصِفَ له إلا شُرْباً قليلاً ، ولكن هذا لم يرَ حمارا قطُّ ، إنما كان بين جبال . وإنما أراد أن يَصْرَعه ، بقوله :
والدَّهرُ لا يَبْقَى على حدثانِهِ
.... جَوْنُ السَّراةِ له جدائدُ أربعُ ) .
فالمقصود من ( جون السَّراة له جدائدُ أربعُ ) هو الجبلُ وألوانُه ، كما قال تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلف ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) .
أما تفسيرُ الحميري كما نقلتَهُ أنتَ عنه : ( أربع أتن لا لبن فيها. وقال بعضهم: الجدائد الخطوط الأربعة على ظهر الحمار الوحشي ) وقمت بالتعليق عليه بقولك :
( فهذا يدلُّ على أنه مخطَّط الظهر أيضًا، والجَون: حمار الوحش كما في المعاجم والله أعلم ) .
أراه تفسيراً هزيلاً لا يتناسبُ مع صدر البيت فما الفائدة ( أربع أتن لا لبن فيها ...) !!!!!!!!!!!!!
فإن سياق البيت يُخبِرنا أن الدهر لا يبقى ساكنا بل يتقلبُ ، وكذلك هذه الجبال الشاهقة ذات الألوان السُّوْد يُصِيْبُها التَّغَيُّرُ والقوارضُ من الرياح والأعاصير .
فكيف يكون ظهرُ ( سراة ) الحمار أسود ( جون ) وفي نفس الوقت على ظهره أربعُ خطوط سود ؟!!!
فكلمة ( جدائد ) تعرفُ معناها من قول الله تعالى في ( جدد بيض ) في وصف الجبال .
العودة إلى صفحة الكاتب