مَرُّ السحاب لا ريثٌ ، ولا عَجَلُ
شريف الترباني
لقد جاء في الشعر وصف مِشْيَة المرأة العربية ، وقد أجاد الوصفَ شعراؤنا أيَّما إجادة في ذلك ! فالمرأةُ هي الأنثى وهي الناعمة واللينة في حديثها وسلوكها ومِشْيَتِها ، فهي متاعُ الرجل الذي يستأنسُ به وتنسيه قساوَةَ الحياة ، فإذا آوى إلى مسكنه ، وجدها بكامل جمالها الحسي والمعنوي ، ولهذا خُلِقَتْ بعد توحيد الله – عزَّ وجلَّ – أما ما نراه من هجمة شرسة من قِبَل أعداء الاسلام على المرأة المسلمة بأنها في قيود وأغلال ترسف فيها كالأسير في أيدي الأعداء ، يريدونها منْحَلَّةً من دينها وشرفها بل من أُنوثتها ، وإن ذكروا الأنوثة ؛ فلافتراسها وتدنيس عِفَّتِها !
المرأة العربية تَغنَّى بها شعراؤنا وذكروا حياءها مدحاً ، ورددوا أنغامَ عفَّتها ، وسترَها .
ومن وصفهم للمرأة العربية ، وصفُ مِشْيَتِها الذي يليق بأنوثتها وجمالها وحيائها ، فهذا الأعشى الجاهلي يُبْدِعُ في نَعْتِ مِشْيَتِها :
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ الرَّكْبَ مُرْتَحَلٌ
..... وهلْ تُطيقُ وداعاً ، أيُّها الرَّجُلُ
غَرَّاءُ ، فَرْعاءُ ، مَصْقولٌ عوارِضُها
..... تَمْشِيْ الهُوَيْنا كما يَمْشي الوَجِي الوَحِلُ
كأنَّ مِشْيَتَها من بيتِ جارتِها
..... مَرُّ السَّحابَةِ لا ريثٌ ، ولا عَجِلُ
تَسْمَعُ لِلْحلْي وسواساً ، إذا انصرفتْ
..... كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ
يكادُ يَصْرَعُها ، لولا تَشَدُّدُها
..... إذا تقومُ إلى جاراتِها ، الكَسَلُ
فهو يصف مِشْيَتَها بالاعتدال بين البُطْءِ والسُّرْعَةِ ، مثلَ سحابةٍ تسوقها ريحٌ لَيِّنَةٌ مُعْتَدِلَةٌ لا عاصِفةً ولا مُتَماوِتَةً ، بين بين !
وفي ذكر السحابة نُكْتَةٌ لذيذة وهي : رمز الطهر ورمز الحياة والعلوِّ والرفعة !
فهي أليقُ بالأنوثة واللين والتَّكَسُّر الذي يزيد المرأةَ جمالاً وبهاءً .
قال عمر بن لَجَأ :
أَسِيْلَةُ مَعْقِدِ السِّمْطَين منها
..... ورَيَّا حيثُ تَعْتَقِدُ الحِقَابا
إذا مالتْ رَوَادِفُها بِمَتْنٍ
..... كَغُصْنِ البانِ فاضطربَ اضطرابا
تهادى في الثياب كما تهادى
..... حَبَابُ الماءِ يَتَّبِعُ الحَبَابَا .
قال العلامة الأديب محمود شاكر – رحمه الله - في ( طبقات فحول الشعراء ) ( 2 / 591 ) :
( وتهادتْ المرأةُ في مشيتها : تمايلتْ قليلا في سكون وخيلاء ، والتهادي أحلى مشيهنَّ ، ولكن نساءُ زماننا يُرِدْنَ أن يمشينَ مشياً مُذَكَّرا ! ) .
وصدق محمود شاكر فإنَّ نساء اليوم يتعمَّدن تقليد الذكران في المشية والشكل !
وقد نهى الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يتشبه الرجالُ بالنساء ، والنساءُ بالرجال ، فنحن نرى الأمرين ولا حول ولا قوة إلا بالله !
ومما نُسِبَ إلى مسلم بن الوليد :
مَرِيْضاتُ أوباتِ التَّهادي كأنَّما
..... تَخَافُ على أَحْشائها أنْ تَقَطَّعا
تَسِيْبُ انسيابَ الأَيْمِ أخْصَرَهُ النَّدى
..... فَرَفَّعَ من أعْطافِهِ ما تَرَفَّعا .
قال الخطيبُ التبريزي في ( شرح ديوان الحماسة ) ( 2 / 774 ) :
( والتَّهادي : المشي بين اثنين ، يُقال : رأيتُهُ يُهادى بين اثنين ، ويتهادى ، يصفها بالنعمةِ ، وضعف الحركةِ لِثِقَلِ رِدْفِها ودِقَّةِ خصرها ... والأيمُ الأينُ : الجانُ من الحيَّات ، والحيَّةُ لا تصبرُ على البردِ ؛ لأنَّهُ إذا أَثَّرَ فيها يَبِسَ جِرْمُها ، وتنسابُ : أي تتدافعُ في مشيتها ، ... ) .
فهو يصف مشيتها بالتهادي وهو أحلى مشيِهِنَّ ، كما قال العلامةُ ابنُ شاكر ، وأضاف ابنُ الوليد سببَ هذا التهادي في المشية ؛ وهو ثِقَلُ رِدْفها ودِقَّةُ خصرها ، واهتزاز الأرداف أثناء القيام أو المشي شبَّهَهُ الشعراءُ بكثيب الرمل الذي ينهال ثم لا ينهال !
قال منظور بن مرثد :
جارية بسفوانَ دارُها
..... يَرْتَجُّ عن مثلِ النَّقا إزارُها
قد أَعْصَرَتْ أو قد دنا إعصارُها .
فهو يصفُ ارتجاج الإزارِ الذي يسترُ أردافَها ، بكثيب النَّقا ( الرمل ) المنهال ببطء !
وأعصرتْ الجارية : أي أدركتْ وحاضتْ وأصبحتْ امرأةً .
وكأنّها دخلتْ عصرَ شبابِها .
وقال ابنُ مرثد – أيضا - :
يا حَبَّذا جاريةٌ مِنْ عَكٍّ
..... تُعَقِّدُ المِرْطَ على مِدَكٍّ
مِثلَ كثيبِ الرَّمْلِ غير رِكِّ .
فقد تتابع الشعراءُ على وصف رِدْفِ المرأةِ بكثيب الرمل ، وأن هذا الكثيب يترجرجُ أثناء القيام وأثناء المشي ، وأعطوا هذا الكثيب صفةً زائدةً وهو الابتلال بماء المطر حتى يحافظَ على ثباته رغم اضطرابه وترجرجِهِ .
قال الرَّاجزُ :
جُبْنَ بأَعْجازٍ لَهُنَّ ناوِيَهْ
..... كَأَنَّها الكُثْبانُ غِبَّ ساريَهْ .
والناويهْ : السِّمانُ ، من النَيِّ وهو الشحم .
وقال الآخرُ :
مِثْلُ الكثيبِ إذا ما بَلَّهْ المَطَرُ .
وقال مرداس بن أبي عامر السُّلمي :
إذا هيَ قامَتْ في النِّساءِ حَسِبْتَ ما
..... ُوَيْقَ نِطاقِ العِقْدِ صَعْدَةَ سَأْسَمِ
وأَسْفَلُ مِنْهُ ظَهْرُ دِعْصٍ أَصابَهُ
..... نَجَاءُ السِّماكِ في الكثيب المُخَيَّمِ .
وقال الأخضر الفزاري :
تَلُوْثُ أَثْناءَ اللِّفاعِ الأَتْحَمي
..... بِمِثْلِ دِعْصِ الرَّمْلَةِ المُدَيَّمِ .
والمُدَيَّم : الذي أصابه ماءُ ديمة ، وهي السحابة .
وقال امرؤ القيس في ذلك وأجاد :
كَحِقْفِ النَّقا يمشي الوَلِيْدانِ فوقَهُ
..... بما احْتَبَسَا مِنْ لِيْنِ مَسٍّ وَتَسْهَالِ .
والحِقْفُ : المستدير من الرمل الذي نخلتْهُ الريحُ وجمعتْهُ ، ويمشي الوليدان فوقه ؛ لأنه مُبْتَلٌّ ومتماسك رغم نعومته ولينه .
وقال عبدالرحمن بن حسان :
وإنْ مالَ الضَّجيعُ بها فَدِعْصٌ
..... مِنَ الكُثْبانِ مُلْتَبِدٌ مَطِيْرُ ,
فهم يذكرون أعجازَ النساء بالكثيب الرملي الذي أصابه بَلَلٌ من مطر السماء .
وقال رؤبة بن العجاج :
إذا وَصَلْنَ العَوْمَ بالهِرْكَلِّ
..... رَجْرَجْنَ مِنْ أَعجازِهِنَّ الخُزْلِ
أَوْرَاكَ رَمْلٍ والجٍ في رَمْلِ .
ويقصد بأوراك رمل والج في رمل : أي ولوجُهُ تحرُّكُهُ ، ودخولُ بعضِهِ في بعضِ .
والعوم ، قصد به : مشيتها بلين ، كعائم فوق الماء ، والهِرْكَلُّ : هوضربٌ من المشي فيه اختيالٌ و بُطْءٌ .
كما قال الآخرُ :
قامَتْ تهادى مَشْيُها الهِرْكَلا
..... بينَ فناءِ البيتِ والمُصَلَّى .
وقال الأعشى :
رَوَادِفُهُ تَثْني الرِّداءَ تَسَانَدَتْ
..... إلى مِثْلِ دِعْصِ الرَّمْلَةِ المُتَهَيِّلِ
نِيَافٌ كَغُصْنِ البانِ تَرْتَجُّ إنْ مَشَتْ
..... دَبِيْبَ قطا البطحاءِ في كُلِّ مَنْهَلِ .
فالارتجاج في أعجازِهنَّ حال المشي .
وقال رؤبة – أيضا - :
مَيَّالةٌ مِثْلُ الكثيبِ المُنْهالِ
..... عَزَّزَ مِنْهُ ، وهو مُعْطِي الأَسْهالْ
ضَرْبُ السَّواري مَتْنَهُ بالتَّهْتالْ .
والسواري جمع سارية وهي سحابة تسري بالليل ، والتَّهْتال هو التهتان وهو سقوط المطر وانهلالُه .
فعجزُها مثلُ كثيبِ رملٍ ، أصابه مطرٌ من سارية بليلٍ ، وهذا البللُ يمنعه من الانهيال والذهاب ، وإنْ تحرَّكَ وتَرَجْرَجَ .
قال ابنُ أبي سفيان الغامدي :
ذاتَ شَوىً عَبْلٍ وَخَصْرٍ أَبْتَلِ
..... وَكَفَلٍ مِثْلِ الكثيبِ الأَهْيَلِ .
الشوى : الأطراف كاليدين والرجلين ، العبل : الضخم الممتلئ ، وأبْتَل :
المنقطع ، فالخصرُ من شدَّة دقَّتِهِ يكادُ ينقطعُ ، والكفل : العجزُ فهو ضخمٌ مثل كثيب الرمل الذي يكاد ينهال من نعومته وليونه ! ولكن يمنعه من الانهيال البللُ والذي أصابه من السواري والدِّيَمِ .
ونختم هذه المقالة بقولٍ رائعٍ في وصف مشْيَةِ المرأة وارتجاج الأرداف لتميم بن أبي بن مقبل :
يمشين هَيْلَ النَّقا مالتْ جَوَانِبُهُ
..... يَنْهالُ حيناً ، وينهاه الثَّرى حينا
يَهْزُزْنَ للمشي أوصالاً مُنَعَّمَةً
..... هَزَّ الجَنُوبِ ضُحَى عِيْدانَ يَبْرِيْنا
أو كاهتزازِ رُدَيْنِيٍّ تَدَاوَلَهُ
..... أَيْدِيْ التِّجارِ ؛ فَزَادوا مَتْنَهُ لِيْنا
قال الآمدي في ( الموازنة ) ( 140 ) :
( فشَبَّهَ تميمٌ قُدُوْدَهُنَّ بالرُّدَيْنِي للينه وتثَنِّيْهِ لا غيرَ ، هذا أجودُ من كلِّ ما قاله الناس في مَشْي النساء وَحُسْنِ قُدُوْدِهِنَّ ... ) .
وقال – أيضاً – في ( الموازنة ) ( 355 ) :
( والذي شرحَ هذين المعنيين أَتَمَّ الشرح ، وأَبَرَّ في الوصف على كلِّ مُحْسِنٍ ، تميمُ بن أُبَيٍّ بن مقبل في قوله يصف مَشْي النساء :
يمشين هَيْلَ النَّقا مالتْ جَوَانِبُهُ
..... يَنْهالُ حيناً ، وينهاه الثَّرى حينا .
إنما أراد بقوله : ينهال حينا تحرك أعجازِهِنَّ إذا مَشَيْنَ كما يَتَحَرَّكُ جانبُ الرَّمْلَةِ للإنهيال ، فينهاه الثَّرى ، وهو ما تحته من التراب أو الرمل النَّدِيْ ، وهذا لا شيء أوضح منه ) .
فهذا من أبدع ما وُصِفَ به مشيُ النساء ، فالنساء عند مشيهن تهتزَّ أَعْجازُهُنَّ مثل كثيب الرمل الذي مال للإنهيال إلا أن نداوة الثرى تمنعه من الانهيال ، فهو يوحي لك بالانهيال الا انه متماسك وثابت بسبب ما يمنعه من الثرى ، والثرى هو ما كان تحت التراب من بللٍ ونداوة .
وهي فتاةٌ مُنَعَّمَةٌ ، لم تَمْتَهِنْ فهو أجودُ لنضارتها وطراوتها ، فأوصالُها تهتزُّ ، مثل اهتزاز العِيْدانِ وهو النَّخْل الطِّوالُ ، وريحُ الجنوب إذا جاءتْ - وقتَ الضُّحى – كانت لطيفةً ، لَيِّنَةً تُمِيْلُ النَّخْلَ الطِّوالَ إمالةً رائعةً !
فما أجملَ هذا الوصفَ الذي يتقازَمُ عنده كُلُّ أَدبِ الحداثة إنْ جاز لنا تسميَتُهُ بالأدب .
العودة إلى صفحة الكاتب