السُّوْقَةُ من الناس
شريف الترباني
يَكْثُرُ في كلام بعض المثقفين كلمةُ ( سُوْقة ) على سبيل الذم والقدح ، وهي كلمةٌ بريئة من ذلك المعنى ، فترى بعضَهم إنْ أراد أن يُبالغُ في ذمِّ إنسان قال له : ( أنت سوقة ) !
وهذه المفردة ، وضعتْها العرب مُقابلَ المَلِكِ ، فهي ليس في كلامهم في سُلَّمِ الذمِّ أو الشتم أو السبِّ ، بل هي كلمةٌ ظُلِمَتْ من قِبَلِ أبناء العربية كما ظُلِمَتْ كثيرٌ من المفردات مثل كلمة ( جُرْثُومة ) التي وضعتها العرب للأصلِ والمَحْتَدِ ، ولكن أُسيئَ ...لها حتى أطلقها المُتأخِّرون على الكائن المُسَبِّبِ للأمراض !
وكلمتنُا ( السُّوْقة ) إنما جاءت في كُلِّ مَنْ لم يكنْ مَلِكاً ، تاجراً كان أو غير تاجر .
قال أبو بكر الأنباري في كتابه ( الزاهر ) ( 388 ) :
( العامةُ تُخْطِئُ في معنى هذا ؛ فتظُنُّ أنَّ السُّوْقَةَ أهلُ الأسواقِ المُتَبايعون فيها ، وليس الأمرُ عند العربِ على ذلك ، إنما السُّوْقَةُ عندهم ؛ مَنْ لم يكنْ مَلِكَاً ، تاجراً كان أو غيرَ تاجرٍ . وأنشد علي بن المبارك الأحمر :
ما كان مِنْ سوقةٍ أُسْقَى على ظَمَأٍ
..... خَمْراً بماءٍ إذا ناجُوْدُها بَرَدَا
مِنْ ابن مَامَةَ ؛ كعبٍ ثُمَّ عَيَّ به
..... زَوُّ المنيَّةِ إلَّا حِرَّةً وَقَدَى
وقال زهيرٌ :
يا حارِ لا أُرْمَيَنْ منكم بداهيةٍ
...... لم يَلْقَها سُوْقَةٌ قبلي ، ولا مَلِكُ
وقال أيضا :
تَطْلُبُ شَأْوَ امرأينِ نالَ سَعْيُهُما
..... سَعْيَ الملوكِ ، وَبَذَّا هذه السُّوْقا ) .
وجاء في ( الغيث المسجم ) ( 2 / 337 ) عند تناول قول امرئ القيس :
( أَمِنْ أجلِ أعرابيَّةٍ حَلَّ أَهْلُها
..... جنوبَ الملا عيناكَ تَبْتَدِرانِ
قال : وما في هذا ما يدلُّ على مُلْكِهِ ، قد يجوزُ أن يقولَ هذا سوقَةٌ من أهلِ الحضرِ ، فَكَأنَّه يؤَنِّبُ نفسَهُ على التعلُّقِ بأعرابيةٍ ... ) .
وقال الصفدي في المصيبة التي حَلَّتْ بالمعتمد بن عبَّاد وبنيه ( 2 / 275 ) :
( وما رعتْ الأيامُ له حقوقَهُ ، ولا أَرَتْ المعالي بعدَ غروبِه شُرُوْقَهُ ، ولا عَدَتْ أنْ عُدَّتْ بنوه الأملاكُ في السُّوْقَةِ ... ) .
فيتبيَّنُ لنا أن كلمةَ سُوْقَة هي مقابل المُلْكِ لا يُفْهمُ منها ذَمَّاً ولا قدحاً .
العودة إلى صفحة الكاتب