وقفةٌ مع ( وإنَّما الأُمَمُ الأَخْلاقُ ما بَقِيَتْ .. )
شريف الترباني
لقد انتقدتُ قديما قصيدةً للشاعر أحمد شوقي ، وهي قصيدة ( القُبَّرة ) مقرَّرةٌ في منهاج اللغة العربية للصفوف الابتدائية ، وكان عنوان مقالتي ( شوقي والقُبَّرة ) ، بَيَّنْتُ فيها زَلَلَ شوقي في توظيف طائر القُبَّرة في باب الحكمة والتَّرَيُّثِ !
ولشوقي بيتٌ يردده كثيرٌ ممن يُحِبُّ الأخلاق ويسعى جادَّا لِبَثِّها بين المسلمين ، وهذا البيت من الأبيات التي لها إنتشارٌ كبير ، وهو بيت شرودٌ كما تقول العربُ .
والبيت هو :
وإنِّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ
..... فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ؛ ذَهَبُوا .
فالمعنى صحيح ، ولكنْ الذي يُمَيِّزُ الشاعرُ عن غيرِهِ أنَّه يضعُ المعنى الصحيح في قالبٍ لغويٍّ يُبْهِرُ الذُّوَّاقَ لهذه اللغة وفنونها ، لأننا نعلمُ أنَّ العوامَ يُشاركون البلغاء في كثير من المعاني ، ولكنَّ البلغاءَ يَكسون المعنى بجميلِ العبارة إن كانت نثرا ، أو برائعِ النظم إنْ كانت شعرا .
وشاعرُنا شوقي وُفِّقَ من جهة المعنى ، ولكن خانَهُ النَّظْمُ في البيتِ ، ففي صدر البيت حصر شوقي الأُمَمَ في الأخلاق ، وذلك باستعمال أداة الحصر ( إنَّما ) ، وهذا كما أسلفنا من جهة المعنى صوابٌ لا غبارَ عليه بل هي دعوة كل المصلحين على مرِّ الأزمان ، ولكن جاءت الركاكةُ في عَجُزِ البيت : ( فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ؛ ذَهَبُوا ) فهو كلامٌ عامِيٌّ ساقط يُجيدُه صدقاً سوقةُ الناس !
فما الفائدةُ في تقريره هذا ، وقد أغنى الصدرُ ، وتَمَّ المُرادُ ؟!
وأيضا لا داعي لِذِكْرِ الضمير ( هُمُ ) قبل فعل الشَّرْط فهو من ركيك الكلام ، فَإنَّكَ لَتَجِدُ صعوبةً وثِقَلاً في النُّطْق لهذا العَجُزٍ خاصةً إذا كان في حسابك أنه من قصيدةٍ وُضِعَتْ لتكون نشيداً وَطَنِيَّا لمصر العزيزة ، ونعلم أنَّ من خصائص النشيد بُعْدِه عن الثِّقلِ والصعوبة المُتَوَفِّرَة في عَجُزِ هذا البيت .
فقارنْ بين ما يُنْسَبُ للشافعي – رحمه الله – أو لأبي تمام أو للفزاري في مجال الأخلاق خاصة خُلُقُ الحياء ، فجاء النظْمُ يَتَثَنَّى كأنَّه غديرُ ماءٍ أبصرَهُ صادٍ ومِلْوَاح :
يَعِيْشُ المرءُ ما استحيى بِخَيْرٍ
..... وَيَبْقَى العُوْدُ ما بَقِيَ اللِّحَاءُ
فلا واللهِ ما في العيشِ خَيْرٌ
..... ولا الدنيا إذا ذَهَبَ الحَيَاءُ .
فهذا هو الشِّعرُ الرائعُ ، والمعنى الصائبُ !
العودة إلى صفحة الكاتب