مع ابنِ زيدون الأندلسي
شريف الترباني
لقد أخذنا زمنَ الدراسة الادبية قصيدةَ ابن زيدون الأندلسي في محبوبتِهِ ولَّادة بنت الخليفة المستكفي ، وتناولها الطلَّابُ بارشاد الدكتور ( ة ) ، فكان الطلَّابُ أحيانا يُصيبون في التفسير وأحيانا يُبْعِدون النُّجْعةَ ، وكنتُ ممَّن خبَّأ ما يجولُ في خاطره حول بعض تلك الأبيات لأسبابٍ كثيرة ، والأنَ أحببتُ أن أُدْلي بدلوي في إثراء هذا التفسير عسى أن نكونَ ممن يخدمُ اللغة وفنونَها ، وهذه الأبيات التي سأشاركُ في تفسيرها هي :
لِيَسْقِ عهدَكم ؛ عَهْدَ السُّرُوْرِ فما
...... كنتم لِأَرْواحِنا إلَّا رَيَاحينا
يا ساريَ البرقِ ، غادِ القصرَ ، واسقِ بِهِ
..... مَنْ كان صِرْفَ الهوى والوُدِّ يَسْقِيْنا
ويا نسيمَ الصَّبا بَلِّغْ تَحِيَّتَنا
..... مَنْ لو على البُعْدِ حَيَّاً كان يُحْيِيْنا
رَبِيْبَ مُلْكٍ كَأنَّ اللهَ أَنْشَأَه
..... مِسْكَاً ، وَقَدَّرَ إنشاءَ الورى طينا .
فهي أبياتٌ غايةٌ في الرِّقَّة التي تناسبُ بلادَ أندلسٍ ، وقد خرجتْ من جوفِ شاعر نشأ في تلك الحاضرة التي فقدناها اليوم ونسمعُ بها سماعا فقط !
ولا يعرفها أكثرُ العربِ الا في باب الرياضة وما يُسَمَّى ( كرة القدم ) ولو عكفوا على ما لِأَجْدادهم فيها لَسَكبوا حَرَّ الدموع مخلوطا بِعَلَقِ القلوب .
وعوداً على تلك الأبيات الأندلسية التي لاكها لسانُ ابن زيدون بعد شوائها في أُتون الفؤادِ والحشا ، لِمحبوبتِه ( ولَّادة ) بنت الخليفة الأموي ، ففي البيت الأول تَبَعِيَّةُ الأندلسي للمشرقي ، فهو يدعو لأيامه معها بالسقيا ، رغم أن بلادَ أندلسٍ بلادُ الأمطار والأنهار والينابيع ، فالدعاء بالسقيا من خصائص عرب المشرق لِجفافِ بلادهم وقلَّةِ أمطارها ، فكان المطر والماء هو غاية العربي وهو بَلُّ صداه وعَطَشِهِ .
وذكر نبتَ الريحان ذا الرَّائحة الزكية التي تناسب بيئة الأندلس لأن هذا النبت من نبات الحاضرة لا البوادي والفيافي ، وهو يناسبُ محبوبتَه ( ولَّادة ) التي نشأَتْ في أرقى الحواضر في ذلك الزمان ، وتربَّتْ في أفخم قصور الدنيا ، وجاء ذِكْرُ نبتِ الرَّيْحان وهو الطِّيْب مع ذكر الرُّوح ، والرُّوحُ هي أطيبُ الطِّيْبِ ؛ لأنها لو غادرت الجسدَ لأصابهُ العطبُ والعفنُ ، فولَّادةُ زادتْ الرُّوحَ طيباً على طيب !
فمغادرتُها لِحياتِهِ هي العطبُ والموتُ ، وقد حدثَ هذا الفراقُ ، فأخذ يراسلُها عبرَ أشياء مثل ( الساري ) الذي يرافقه البرقُ ليلا ، وفيه من اللفتات ما يَدُلُّ على الخفاء والسريَّة والأمان ، فالساري ليلا يَتَوَخَّى الحذرَ والرُّقباءَ وذَكَرَ البرقَ ولم يذكرْ الرَّعدَ لأنَّ الرعدَ مخيفٌ ومرعبٌ ، والبرقُ أسرعُ ايصالا للرسائل من غيره ، فهو لطيفٌ مع ولَّادة أيَّما لطفٍ ، ويقولون : ( سحابُ الليل أطيبُ السُّحُبِ مطراً وغيثاً ) ، وأمرَهُ بأن يُصَبِّحَ قصرها بالمطر والغيث ، لأن الصباح موطنُ الغارة والشرِّ ، فلذلك كانت تحية بعض العرب لملوكها : ( أنعم صباحا أيها الملك ) أي صباحٌ خالٍ من المكدرات والشرور ، فلذلك قال تعالى : ( فساء صباحُ المُنْذَرين ) .
وقال امرؤالقيس :
ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي
..... وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي .
فقد جرى عملُهم على الدعاء بالخير في الصباح وأن يكون خاليا من كلِّ شر .
وهذا الدعاءُ لها بالسقيا وقتَ الصباح ؛ لأنها كانت في الماضي تسقيه الوُدَّ والهوى صِرْفاً غير مخلوطٍ ، والصرفُ هو غيرُ الممزوجِ بالماء ، خالصا صافيا .
ثم يخاطبُ نسيمَ الصَّبا ، والصَّبَا هي ريحٌ تَهُبُّ من نجد وتسمِّيْها العامةُ : ( الشرقية ) ، قال ابنُ الدُّمينة :
ألا يا صبا نجدٍ متى هِجْتَ من نجدِ
..... لقد زادني مسراك وجداً على وجدِ .
فريحُ الصَّبا ملازمةٌ لِذِكْرِ الهوى والحب في أشعار العرب الأقدمين ، ففي ذكر الصَّبا والسُّقْيا إشعارٌ بتقدمِ المشرقين على أهل المغرب ؛ لأنها من المشرق نبعتْ .
ثم يصف ولَّادةَ بما عليه من النعيم والرفاهية ، فهي ربيبُ الملك والقصور ، فقد أنشأها اللهُ نشأةَ النعيم ، ولفظُ النشأة تدلُّ على ذلك قال تعالى :
( أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) ، فهذا حالُ المرأة ، وقد تأثَّر ابنُ زيدون باللفظ القرآني في وصف المرأة ، وقد جاء هذا الوصفُ في سورة ( الزخرف ) !
فهي من المسك مجبولة ، وغيرُها من الطين !
العودة إلى صفحة الكاتب