المقالات

هارون الرشيد الخليفة المُفْترى عليه !

٢٧ نوفمبر ٢٠١٥ · صحيفة السوسنة

شريف الترباني

لكل عظيم في هذه الدنيا شانئون ومحبُّون ، حتى الأنبياء لهم أعداءُ ولهم أنصار ، فلا عجبَ من هذه الدنيا ، ومن تصرفاتِ أبنائها !

شخصيَّةٌ ظلمها البعضُ إما عن جهالةٍ أو عن قصدٍ ، ترجمَ لها المحققون من أهل التاريخ ؛ فأثنوا عليها الثناء العَطِر ومدحوها في مجال السيف ومجال العبادة حتى طالها الثناءُ – أيضا – في مجال العلم .

إنها شخصيَّةُ الخليفة العباسي هارون الرشيد ، أما نسبُهُ فهو :

أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي ، فهو سلالةُ حبْر الأمة عبدالله بن عباس – رضي الله عنه –

روى العلمَ الحديث عن أبيه وجدِّه وعن مبارك بن فضالة .

قال الامام الذهبي كما في ترجمته في السِّيَر :

( وكان من أنبل الخلفاء ، وأحشم الملوك ، ذا حج وجهاد ، وغزو وشجاعة ، ورأي . وأمه أم ولد ، اسمها خيزران ) .

فالذهبي – رحمه الله – يجعله صاحبَ حَجٍّ وجهاد وأيضا يجعله ذا حِشْمة والحشمةُ ومُشتَقَّاتُها اللغوية مأخوذةٌ من الحياء و الخجل الذي يمنع المرءَ من ارتكاب الكثير من الذنوب والمعاصي كما جاء في الحديث الصحيح : ( لا يأتي الحَيَاءُ إلا بخير ) .

كما كان طلَّاباً للعلم وفنونه ، أخبر الذهبي :

( ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة ، وله نظر جيد في الأدب والفقه ، قد وخطه الشيب ) .

( قيل : إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات ، ويتصدق بألف ، وكان يحب العلماء ، ويعظم حرمات الدين ، ويبغض الجدال والكلام ، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه ، لا سيما إذا وعظ .) .

أما اللهو والذنوب المذكورة ، فهو كأي لهوٍ يصدرُ من إنسان مُعَرَّضٍ للشيطان ودروبه خاصةً أنه خليفةٌ يعيشُ في القصور وقد سبقه من قبله بمراسمَ اعتادوها في قصورهم .

أما الصورةُ التي يرسمها الممخرقون عنه أنه كان زيرَ خمرٍ ونساء ! فهذه باطِلةٌ - لا محالةَ - لما تُرْجِمَ له عند المحققين كأمثال : الذهبي وغيره .

وهو الذي قام بعزاء عالِمِ المسلمين عبدالله بن المبارك قال الذهبي :

( ولما بلغه موت ابن المبارك ، حزن عليه ، وجلس للعزاء ، فعزَّاه الأكابر ) .

ومن القصص التي تجعلنا نحبُّ هذا الخليفة المفترى عليه ؛ قصَّة يتناقلها علماء السنة - خاصة علماءَ الجرح والتعديل - في الذب عن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن هؤلاء العلماء المعاصرين العلامة ربيع بن هادي ، فقد أكثرَ من ذكرها عند ذِكْرِ الخلفاء الغيورين على سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذكر الذهبي :

( وعن خرزاذ العابد قال : حدث أبو معاوية الرشيدَ بحديث : احتج آدم وموسى فقال رجل شريف : فأين لَقَيَهُ ؟ فغضب الرشيد ! وقال : النِّطْعَ والسيفَ ، زنديقُ ؛ يطعن في الحديث ، فما زال أبو معاوية يسكِّنُه ، ويقول : بادرةٌ منه يا أمير المؤمنين ، حتى سكن ) .

هذه الحادثةُ تفرضُ علينا الدفاعَ عن عرضِ هذا الخليفة الراشد كما دافعَ عن سنة المصطفى في وجه ذلك المعترض .

وقد كان موتاً على الزنادقة والمنحرفين ممن يحاول إفسادَ الدين ، ذكر الذهبي :

( قال عبد الرزاق : كنت مع الفضيل بمكة ، فمر هارون ، فقال الفضيل : الناس يكرهون هذا ، وما في الأرض أعز علي منه ، لو مات لرأيت أمورا عظاما .

يحيى بن أبي طالب : حدثنا عمار بن ليث الواسطي ، سمعت الفضيل بن عياض يقول : ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره . قال : فكبر ذلك علينا ، فلما مات هارون ، وظهرت الفتن ، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن ، قلنا : الشيخ كان أعلم بما تكلم ) .

فهذه هي مواقفُ العلماء الربانيين كأمثال الفضيل بن عياض من هذا الخليفة المُفْتَرى عليه ! لا مواقف الحاقدين على كُلِّ قامة عظيمة في هذه الأمة .

فانظرْ الى قول الفضيل بن عياض : الناسُ يكرهون هذا ! فالكرهُ قديم ، ولكن العلماء هم الميزان في الكُرْهِ والبغض ؛ لأنهم أعدلُ الناس وأبصرُ الناس .

ولقد طار الحزبيون بالخليفة المعتصم وأكثروا من ترديد وامعتصماه وكلُّ هذا الترديد حتى يُثَوِّروا العامةَ والشعوبَ على حُكَّامِهم ، والمعتصم – سامحه الله – هو ابنُ هارون الرشيد وأبوه خيرٌ منه وأعظمٌ نفعا للدين والاسلام بل خاض معركةً أعظمَ من معركة ابنه فتح عمورية ، وهذه المعركة التي خلَّدها الشعراء والمؤرخون هي معركة هِرَقْلة فقد فعل بالروم الافاعيل ، قال شاعرٌ من أهل جُدَّة حضر تلك المعركة :

هَوَتْ هِرَقْلَةُ لمَّا أنْ رأَتْ عَجَبا

..... حَوَائماً ترتمي بالنِّفْطِ والنَّار

كأنَّ نيرانَنا في جنبِ قلعتهم

..... مُصَبَّغَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ

وقد مدحه أشجع بن عمرو السُّلميُّ :

مَلِكٌ من مخافةِ الله مُغْضٍ

..... وهو مُغْضى له من الاعظامِ

أَلِفَ الحَجَّ والجهادَ فما يَنْ

..... فَكُّ من سَفْرَتين في كلِّ عامِ !

فانظر الى قول هذا الشاعر في التدليل على ما ذهبنا اليه من تقسيم عمره بين ( الحج والجهاد ) ، ودِقَّةُ الشاعر تكمنُ في قوله : أَلِفَ وهو من الألفة والتَّعَوُّدِ على فعلٍ ما ، كما أخبر الله – عز وجل – عن ألفة قريش لرحلة الشتاء والصيف :

( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) .

والكلامُ يطول في هذا الخليفة البطل الشجاع ذي الحشمة ، وأنهي مقالتي برسالة بعثها هارون الرشيد لزعيم الروم المخادع نقفور :

( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم : أما بعد ؛ فقد فهمتُ كتابَكَ ، وجوابُكَ عندي ما تراه عِيانا لا ما تسمعه ) !

فكان نقفور كأمسِ المنصرم .

العودة إلى صفحة الكاتب