جولة في بعض المجلات القديمة ..
شريف الترباني
جميل أنْ يتجَوَّلَ الباحثُ في بعضِ المجلاتِ القديمة ، فيجدُ ما يروقُهُ أحياناً ، وينقبضُ أحياناً ، فَلِكُلِّ عصرٍ محاسِنُهُ ، ومساوئُهُ ، فمجلَّةُ ( الرسالة ) المصرية لصاحبها ( أحمد حسن الزيات ) كانت تَصْدُرُ في الثلاثينات ، وكان يكتُبُ فيها جمعٌ غفيرٌ من الكُتَّاب منهم السمينُ ومنهم الهزيلُ ، ومقالاتُهم تَبَعٌ لِتِلْكَ السَّمانةِ أو الهزالةِ .
فمما أعجَبني وهو من ( السَّمانةِ ) بلا شَكٍّ مقالٌ لكاتب يُدْعى ( محمود عوض ) وفحوى مقالِهِ ؛ أنَّهُ كان يدرسُ في لندن ، فقامتْ فتاةٌ نصرانية بتوجيهِ سؤالٍ له : ( نحن النصارى نستطيع أنْ نُلَخِّصَ دينَنا النصراني بكلمةٍ واحدة هي الحب فهل تستطيع أن تُلَخِّصَ دينَكم الاسلام بكلمة واحدة ؟ ) قال صاحبُ المقال : فأخذتُ أدوكُ ليلي في البحثِ عن كلمة تجمعُ أطرافَ ديننا ولُبَّهُ ، فاستهديتُ لكلمة واحدة هي دينُنا ألا وهي ( التوحيد ) ، فهذا المقال راقني واعجبني لأن هذا الكاتب على بساطتِه عرفَ أصلَ دينِنا وقد غاب هذا المعنى عن كثيرٍ ممن ركبَ موجة الصدارة وأصبح يقول : ( التوحيدُ يُفَرِّقُنا ) أو ( التوحيد قشور ) !!!
وأيضاً وجدتُ مقالاً بعنوان ( سيبويه المصري ) وهو شخصيَّةٌ فُكاهيَّةٌ عاشتْ في مصر وأرَّخَ لها ابنُ زُولاق المصري ، وسيبويه المصري ليس سيبويه النحوي صاحب ( الكتاب ) بل هو شخصية مصرية كانت محَطَّ التَّفَكُّه في زمانه وكانت تخرجُ منه نُكَتٌ أدبية لطيفةٌ يقفُ عندها المرءُ متسائلاً : كيف تَفَطَّنَ لها وكيف سبرها وعرفها ؟!!
ومن هذه اللطائف النقدية الأدبية التي صدرتْ من سيبويه المصري أنَّهُ سَمِعَ بيتَ أبي الطيب المتنبي :
ومن نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أنْ يرى .... عدواً له ما من صداقتِهِ بُدُّ .
فقال سيبويه المصري : ( هذا كلامٌ فاسد ؛ لأن الصداقةَ ضِدُّ العداوةِ ، ولو قال :
ومن نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أنْ يرى .... عدواً له ما من مُداراتِهِ بُدُّ .
لكان أحسنَ وأجودَ ) .
وبلغ المتنبيَ هذا النقدُ ، فجاء الى سيبويه المصري ، فسمعه منه ؛ فتبَسَّم وانصرف .
فالمُداراةُ هي التنازلُ عن شيء من أمورِ الدنيا لتتخَلَّصَ من أذى من تتوقَّعُ منه الأذى .
فلذلك قال بعضُ العقلاءِ : ( من لا يُداري مجنونٌ ) .
والمُداراةُ تختلفُ عن المُداهنةِ لأن المُداهنة هي التخلي عن الدين لارضاء الغير فلذلك قال تعالى : ( وَدُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنون ) .
فالمداراة مطلوبةٌ ، والمداهنة ممنوعةٌ .
العودة إلى صفحة الكاتب