ألفاظٌ بدوية ، وجذْرُها الفصيح
شريف الترباني
من خلال المطالعة خاصة في كُتُبِ تراثنا الأدبي يمُرُّ مع المرءِ فوائدُ وفرائدُ يُدَوِّنُها لَعَلَّه يستفيدُ منها في إنشاء رسالة أو تأليفِ كِتابٍ وهذا ما يُسَمَّى ( بالكُنَّاشة ) ...
ولقد دَوَّنْتُ ما مرَّ معي من الألفاظ التي يستعملُها ( البدو ) وخاصة بدو جنوب فلسطين ، وصدقاً كانت الحصيلةُ مغريةً تستدعي تأليفَ رسالةٍ أو كتابٍ ، ولكن لكثرةِ الأشغالِ ، وتلاعبِ الزمانِ قَصُرَتْ خُطانا عن هذا المشروع الأدبي الذي فيه خدمةً للغةِ العربية ، وخدمةٌ للهجات ِ سكانِ تلك المنطقة .
ومنهجُنا في هذا المقال ذكرُ الكلمة وَمِنْ ثَمَّ ذكرُها في فصيحِ العربِ من شعرٍ منظوم ، أو كلامٍ منثور .
1 – عَيَّيْت : يقولها البدو وغيرُهم في الامتناع والرفض ، وهو استعمالٌ صحيح فصيح
قال النابغة الذبياني :
وقفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها .... (عَيّتْ ) جواباً، وما بالرَّبعِ من أحدِ.
2 – دِمْس وجمعُها ( إدموس ) ويقصدون بها الحجر او الصخر ، وهذا من الألفاظ التي تَختَصُّ بها قبائل جنوب فلسطين والأردن ، وقد أعيتني في استخراجها حتى ظننْتُ عُجْمَتَها !! ولكن عثرنا عليها بعد جَهْد ، ولكن البدو حوَّلوا ( القاف ) الى همزة ، فقد جاءت في الفصيح :
قال جرير :
وعبسٌ هُمُ يومَ الفريقينِ طَرَّقُوا .... بأسيافِهم ( قُدْموسَ ) رأسٍ صُلادِمِ .
3- عَرْعُوْر ، ويقصدون بها خَلْفِيَّةَ الرأس ( القذال ) ، وهي من أعالي الجسم في الإنسان ، وهي من الفصيح :
جاء في كتاب ( اعتاب الكاتب ) لابن الأبار ، قصة بين الحجاج وابن المهلب : (وروي أن الحجاج بعث به إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، فاضطررناهم إلى (عُرْعُرَة )الجبل فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام ! ويقال إنه قال: ليس يزيد بأبى عذر هذا الكلام ! فقيل له. إن ابن يعمر قال ذلك، قال: ذلك إذاً !).
4- تَوْ ، ويعنون بها ( الآن ) ظرف زمان ، وقد جاءت في الفصيح .
قال مُلَيْح ٌ الهذلي :
فباتَ دُمُوعي ( تَوَّةً ) ثُمَّ لمْ تَفِضْ ............. عَلَيَّ وَقَدْ كادتْ لها العينُ تَمْرَحُ .
5 – الكِرابةُ ، ويقصدون بها الأرض الحمراء المحروثة ، وفيها كُتَلٌ من التراب الأحمر ، وقد جاءت في الفصيح .
قال البغدادي في ( خزانة الأدب ) عند ذكر الكلمات التي وردتْ عن العرب منفية :
( العاشرة : كَرَّاب بفتح الكاف وتشديد الراء ، وهو فَعَّال من الكِرَاب ، يُقال : كَرَبْتُ الأرض كِرَابا ، إذا قلبتُها للحرث . ولم يذكر هذه الكلمة لبنث السِّكِّيْت ) .
6 – مَطَّق ، ويقصدون به التقبيل مع اخراج صوتٍ او ادخال شيء في الفم ، وقد جاء في الفصيح .
قال البَعيثُ :
سَتَلْفِظُ يوماً إنْ تَمَطَّقْتَ لَحْمَهُ .... تَدْسَعُ مِنْهُ بالذي أنتَ بالِعُهُ .
7 – السَّنَدةُ ، ويعنون بها الطريق أو الأرض المرتفعة ، وقد جاء ذكرها في الفصيح .
قال النابغة الذبياني :
يا دارَ مَيّة َ بالعَليْاءِ،( فالسَّنَدِ ).... أقْوَتْ، وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ.
8 – القُوْز ، ويستعملونه في الأرض المرتفعة دون الجبل ، وجاء في الفصيح .
قال أبو صخر الهذلي :
تَثْني النِّطَاقَ ( بِقَوْزٍ ) حَفَّهُ دَمَثٌ .... حَازَتْ نَقَاهُ رِيَاحُ الصَّيْفِ منْضُوْدِ .
9 – أَوَيْتُ له ، بمعنى رحمتُه وأشفقْتُ عليه ، وقد جاءت في الفصيح .
قال أبو صخر الهذلي :
ولا بالذي يَسْتَكْرِهُ الوَجْدَ والبُكَا .... يُرَائي لِكَيْ ( يُؤْوَىْ له) وهو سامعُ .
10 – مَزّيتُ : شربتُها بتلطُّفٍ ومتعةٍ ، وقد جاءت في الفصيح من كلام العرب .
قال النابغة الجعدي :
وصهباءَ لا تُخْفي القذى وهي دونه .... تُصَفَّقُ في رَاوُوْقِها ثم تُقْطَبُ .
(تَمِزَّزْتُها) والدِّيْكُ يدعو صباحَهُ .... إذا ما بنو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا .
11- مَزَّقَ : شَقَّ الثوب .
قال زيدُ الخيلِ الطائي :
أتاني أنَّهم (مَزِقُوْنَ) عِرْضي .... جِحَاشُ الكِرْمِلَيْنِ لها فَدِيْدُ .
12 – الوَرَع : وهي بمعنى ( الطفل الصغير ) ،وهذه الكلمة ليستْ في بادية النقب ، بل هي في بوادي نجد وما حاذاها ، فأحببْتُ تدوينها فقط للفائدة .
قال عمرو بن معديكرب :
دَنَتْ واستأْخَرَ الأَوْغالُ عنها ... وَخُلَّى بينهم إلَّا الوريعُ .
قال البغدادي في ( خزانة الأدب ...) ( 8 / 185 – 186 ) : ( وكذلك الوَرَعُ – بفتحتين – وهو الصغير الضعيف الذي لا غَنَاءَ عنده ) .
13 – خُرَّافَة : وهي الحكاية الباطلة ، وأنا لا أقصدُ ( حديثُ خُرَاْفة ) فذاك رجل اجتالتْهُ الجِنُّ ، وإنما أعني كلمة ( خُرَّافة ) - بضم الأوَّل وتضعيف الثاني – قال الزمخشري كما في( الحاشية ) ( 2 / 49 ) للبغدادي : ( قال الزمخشري سمعتُها من العربِ ، ومنها الخراريف ؛ الأباطيل ) أو كما قال .
14 – خائن ٌ إمْذِرْ : أي ؛ خائنٌ فاسد ، ومنه مَذُرَتْ البيضةُ أي : فَسُدَتْ .
15 – دَلَا دَلَا : وهي كلمة بمعنى على مهلٍ ورفق ، وهي ليستْ من ألفاظ بدو النقب ، سمعتُها من أهل اليمن ووجَدْتُها في بعض الفصيح وأذكُرُها للفائدة .
جاء في ( الحاشية ) ( 1 / 747 ) للبغدادي : ( دَلَوْتُ الناقةَ دَلْوَاً ، سرْتُها سيراً رويدا ، قال الآخرُ : لا تَعْجِلا بالسير وَدْلُوَاها ... ) .
والكلمات كثيرة ، ونكتفي بذكر هذه الكلمات حتى يستيقن المطالعُ أنَّ البدو مازالتْ ألفاظُهُم صحيحةً ، وإنْ أحدثوا تغييراً في الاعراب والحركات للكلمة فقط .
العودة إلى صفحة الكاتب