كلمة ( هلبه ) في عامِّيَّة ليبيا
شريف الترباني
لقد راسلني أحدُ الأخوة الليبيين ؛ يسألني عن كلمة عامية دارجة عندهم ، وهي ( هلبه ) وتعني : ( الكثير ) ، فحاولتُ الاعتذار منه ؛ لأنها لفظةٌ ليست من بيئتنا ، وقد يجد الباحثُ عناءً كبيراً في حَلِّها وكشفِ غامضها ، مع العلم أنَّ لي بحثاً في إرجاع ألفاظ بدوية إلى أصلها الفصيح ، ونُشِرَ هذا البحث بعنوان ( ألفاظ بدوية ، لها جذرُها الفصيح ) ، وكان بحثي مختَصَّا بألفاظ قبيلة جذام في جنوب فلسطين والأردن ، ومنطقة حسمى...... ، كالترابين والحويطات ، والأحيوات ...
ثم نَشِطَتْ نفسي للاجابة عن سؤال الأخ الليبي حول كلمة ( هلبه ) الدارجة في عاميَّة ليبيا ، التي بمعنى ( الكثير ) ، وقبل الاجابة لا بُدَّ من محاولة معرفة جذور هذه الكلمة حتى نكونَ أقربَ للصواب .
قد جاء ذكرُ العدد الكبيرلبعض قبائل العرب ، ومن هذه القبائل : تميم المضرية ، فقالوا : ( من أراد أن يُكاثرَ ؛ فلْيُكاثرْ بتميم ) ، لأنها في ذلك الوقت كانت من أعظم قبائل العرب عدداً .
ومن القبائل التي حازت القدح المُعَلَّى ، وكانت في العدد والكثرة كالتراب قبيلة ( جذام ) التي نصَّ المؤرخون على أنها أوَّلُ قبائل العرب انتشارا في مصر بعد الفتوحات الاسلامية ، فقد كان انتشارُ جذام وبطونِها في مصر لا ينتطحُ فيه عنزان ، فمنهم الأمراء ، والأميرُ شاور كان منهم .
ومصر يحاددُها من الجهة الغربية دولة ليبيا ، التي كانت تناظر مصرَ ، وما فيها من العربان القادمة من شمال الجزيرة العربية ، ومن هؤلاء العربان جذام وما تَفرَّع عنها من البطون ، وأعظم بطنين خرجا من جذام :
1 – هلبا بن بعجة بن زيد بن الضبيب بن قرظ بن حفيدة بن نبيح ...
وكان يُكْنى : ( أبو الفوارس ) .
2 – هلبا بن مالك بن سويد بن زيد بن الضبيب بن قرظ بن حفيدة بن نبيح ...
وكان يُكْنى : ( طَوَّاح المُكُوس ) .
وقد ذكر المؤرخ ابنُ خلدون الشعر الهلباوي ، وهو نسبة إلى هلبا جذام .
وقد ضربتْ العربُ المثلَ فيم لا يعرف الأمرَ الواضح الجلي ، بعدم معرفته بعدد جذام وكثرتها .
ذكر ابو هلال العسكري في ( جمهرة الامثال ) ( 2 / 223 ) :
( ما يَدْرِي أَسَعْدُ اللهِ أَكْثَرُ أَمْ جُذام ؟! ) ، وهو مثلُ يُضربُ للرجل الذي لا يَعْقِلُ شيئا ، فإن الفرقَ واضحٌ بين القبيلتين رغم ذلك لا يُمَيِّزُ بينهما وذلك لِحُمْقِه وغبائه .
والعسكري قال : ( ... وسعدٌ وجُذامُ قبيلتان لِإحداهما فضلٌ على الأُخرى ) .
والفضل هنا – والله أعلم – الكَثرةُ ؛ لأن المثلَ فيه لفظةٌ تَدُلُّ على ذلك وهي ( أَكْثَرُ ) ، ونحن نعلم أن جُذامَ كالتراب عددا ، ويَظُهرُ ذلك في كُتُبِ الأنساب .
وَ ( سَعدُ الله ) المذكورةُ في المثل هي : سعد الله ولد ( فُران ) بن بَلِيٍّ بن عمرو بن إلحاف بن قُضاعة .
وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه ( النسب ) ذكر من تناسل من ( قِسْمِيْل بن فُران ، ولم يذكرْ نَسلَ سعد الله بن فُران .
فالأن نرجع لكلمة ( هلبه ) الدارجة في عامِّيَّة ليبيا بمعنى ( الكثير ) ، فالمقصود بها هلبا بطنا جذام فهم مضرب المثل في الكثرة والعدد الكبير ، فمع مرور الزمن عفا السبب الأول ، وبقيت الكلمةُ تشير إلى الكثير والكثرة .
هذا ما بدا لي في هذه الكلمة التي سألني عنها الأخ الليبي ، والله أعلمُ
العودة إلى صفحة الكاتب