مَنْ هو أبو كَمُّوْنَه ؟!
شريف الترباني
لقد سمعنا كُنْيَةً يُطْلِقُها عامَّةُ الناس على البخيل ، وتناقَلَتْها الأجيالُ ، ونحن منهم نرددها إذا التقينا ببخيلٍ في حياتنا ، هذه الكُنْيَةُ هي ( أبو كَمُّونه ) ، وكانت تذهبُ أذهانُنا الى تلك المادَّة النباتية المطحونة التي تُباع في الدكاكين ومحلَّات العِطارة ( الكمُّوْن ) ، ولا نعلم سببَ الرَّابط بين هذه الكُنْيَة والرجل البخيل المُخْلِف للمواعيد من شِدَّة شُحِّهِ وبُخلِهِ !
وأثناء تَصَفُّحي لحياة الشاعر ( حمَّاد عجرد ) الذي تُنْسَبُ له الشَّطَحاتُ واللهو والمجون زمن الدولة العباسية ، وهو ممن أدرك الدولة الأموية والدولة العباسية ، ولكنَّه كان خاملاً زمن بني أمية ، وظهر في الدولة العباسية ، وهذا من مُرَجِّحاتِ فضلِ الدولة الأموية على الدولة العباسي ، والمُرَجِّحاتُ كثيرةٌ أعظَمُها أن الدولة الأموية كانت قامِعةً للبدعةِ وأهلِها أما الدولة العباسية ؛ فدولةٌ وجد أهلُ البدع فيها مرتعاً خصباً ؛ لأن النفوذَ العجمي الحاقد على الاسلام والسنة تغلغلَ فيها ، ونخرَها أما دولةُ بني أمية فهي عربيةُ لا وُجودَ للأعاجمِ فيها .
وعوداً على مسألة أبي كمُّوْنَة التي التصقتْ بالبخيل وصاحب المواعيد الكاذبة ، فكان بين الشاعر بشَّار بن بُرْد وحمَّاد بعضُ الهنَّات التي دَفَعَتْ بشاراً أن يُهاجي حمَّادا لأن حمّادا أخلف وعداً وعدَهُ لبشار ، فأسرع المُرَعَّثُ بشارٌ بقذفِهِ بقذائف الهجاء :
مواعيدُ حَمَّادٍ سَماءٌ مُخِيْلَةٌ
..... تَكَشَّفُ عن رَعْدٍ ، ولكن سَتَبْرُقُ
إذا جِئْتَهُ يوماً أَحَالَ على غَدٍ
..... كما وُعِدَ الكَمُّوْنُ ما ليسَ يَصْدُقُ
وفي نافعٍ عَنِّيْ جَفاءٌ ، وإنَّني
..... لَأُطْرِقُ أحياناً ، وذو اللُّبِّ يُطْرِقُ .
فكما ترى أن الكَمُّوْن في هذه الابيات هو من وقَع عليه التسويف والبخل ، فالكمون لا دَخْلَ له في البخل !
ولكن نستطيع أن نستَنْبِطَ أن هذه الكُنْية ( أبو كمُّوْنه ) إنما يُراد بها صاحب الكمون الذي يَعِدُه بالسُّقيا والشِّرْبِ ، ولكن لا يَصِلُ للكمون شيئا من تلك المواعيد ، فَكُلُّ من وَعَدَ وأَخْلَفَ وبَخِلَ فحالُهُ كحالِ صاحب الكمُّون الذي يُمَنِّيْهِ بالسُّقْيا ولا سُقْيا !
وقال شاعِرٌ آخر في ذكر الكمُّوْن عند سياق البخل والتسويف في المواعيد :
لا تَجْعَلَنَّا كَكَمُّوْنٍ بِمَزْرَعَةٍ
..... إنْ فاتَهُ الماءُ ، أَرْوَتْهُ المواعيدُ !
وعوداً الى بشَّار ، قال أيضا :
أبا عُمَرٍ ما في طِلابِيْكَ حاجَةٌ
..... ولا في الذي مَنَّيْتَنا ثُمَّ أَصْحَرا
وَعَدْتَ فلم تَصْدُقْ ، وَقُلْتَ : غداً غداً
..... كما وُعِدَ الكَمُّوْنُ شِرْبَاً مُؤَخَّرا .
فنخرجُ أن الكمُّوْن ارتبط بمن يُخْلِفُ معه المواعيد في الشِّرْبِ والسُّقيا ، فَكُلُّ من تَوَفَّرتْ فيه صفاتُ البخل وإخلاف المواعيد فهو صاحبُ الكمون ، فقالوا : ( أبو كمُّوْنة ) .
فبهذا عرفنا جُذُوْرَ هذه الكُنْيَةِ التي يتكلَّمُها عامةُ الناس .
العودة إلى صفحة الكاتب