يا مُوْقِدَ النَّارِ بالعلياءِ مِنْ إِضَمِ ..
شريف الترباني
جاء ذكرُ هذا الوادي في أشعار العرب ، وهو وادٍ يخترقُ الحجازَ ، ويَصُبُّ في البحر ، قال الشاعرُ الأحوص :
يا مُوْقِدَ النَّارِ بالعلياءِ من إِضَمٍ
..... أَوْقِدْ ؛ فقد هِجْتَ شوقاً غيرَ مُنْصَرِمِ
يا موقِدَ النَّارِ أَوْقِدْها ؛ فإنَّ لها
...... سَنَاً يَهِيْجُ فؤادَ العاشقِ السَّدِمِ .
وجاء في قصيدة البوصيري ( الشركية ) :
أَمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بِذِي سَلَمٍ
..... مَزَجْتَ دمعاً ؛ جرى من مُقْلَةٍ بِدَمِ
أمْ هَبَّتْ الرِّيْحُ من تلقاءِ كاظمةٍ
..... وأَوْمَضَ البرقُ في الظلماءِ مِنْ إِضَمِ .
فَلِوَادي إضَم حضورٌ في أشعار المُحِبِّيْن ، وهو الأن من ضمن بلاد بني مالك من بُجيلة .
وكاظمة المذكورة في ابيات الخرافي البوصيري ، هي موضعٌ على طريق البصرة الى البحرين على سيف البحر .
وأبياتُ الأحوص هي السابقة وهي الأقدم ، وقد حثَّ موقِدَ النار أن يزدادَ في الإيقاد على علياء إِضَمِ لأن تلك النار تُذَكِّرُهُ عهودَ المحبين ، وتُهَيِّجُ رسيس الهوى ، وهواه وشوقُهُ غيرُ مُنْقَطِعٍ ولا منصرم ، فقد كرَّر الطلب في إيقاد النار ؛ لِيَبْقى على تَذَكُّرِ أيام وليالي المحبوب ، وفيه دلالة على ما يُعانيه من اشتعال الأشواق ، وقد صنَّف العربُ في نيران العرب ؛ ومنهم العلامة محمود الآلوسي العراقي في سفره ( بُلوغُ الأرب في معرفة أحوال العرب ) ، فقد ذكر نارَ الحرب ، ونار الضيافة ... ولعلنا نزيدُ ( نارَ المحبين ) .
وقد نَشَلَ البوصيري ، ونَهَبَ المعنى من الأحوص ، مع اجراء بعضِ التمويهات لِإخفاء أثرِ سرقَتِهِ ، حيث قال :
أمْ هَبَّتْ الرِّيْحُ من تلقاءِ كاظمةٍ
...... وأَوْمَضَ البرقُ في الظلماءِ مِنْ إِضَمِ .
فالأحوص قال في بيتِهِ السابق : ( يا موقِدَ النَّارِ بالعلياء من إِضَمِ ... ) ، والبوصيري قال : ( ... وأَوْمَضَ البرقُ في الظلماءِ مِنْ إِضَمِ ) .
فأتى بالظلماء على وزن بالعلياء ... !
وأبياتُ الأحوص أَرَقُّ ، وأطربُ للفؤاد من أبيات البوصيري ، وليس هنا مجالُ التِّبْيانُ .
العودة إلى صفحة الكاتب