أضحك مع اللي ضحك والهم طاويني ..
شريف الترباني
قصيدةٌ نبطيَّةٌ قديمةٌ ، اختلف النَّقَلَةٌ في نِسْبَتِها لقائلها ؛ فمنهم مَنْ أرجعها ، إلى شخص اسمُهُ ( فهد الكعبي ) ، ومنهم من أرجعها إلى ( عبدالهادي الغنامي ) وكان مع الشريف حسين زمن الثورة العربية في الشام ... ومنهم من قال غيرَ ذلك .
والذي يَهُمُّني ليس البحث في تحقيق قائلِها ، وإنما تذَوُّقُ جمال بعض أبياتِها ، ولا بُدَّ انَّ نتعرَّفَ على المناسبةِ التي دَعَتْ الشاعرَ لانشادِها ، فقد قال البعضُ في سبب انشادها : ان قائلها خرج الى جهة الشام ، ولعَلَّها ( فلسطين والاردن ) ، فوقعَ حُبُّ فتاةٍ قرويةٍ من تلك النواحي في قلبِ الشاعرِ الغريبِ ، فقال هذه القصيدةَ الرائعةَ ، التي يتداولُ أكثرُ محبي الشعر النبطي بيتاً منها وهو :
هَبَّتْ هُبوب الشِّمال وبردها شيني
...... ما تِدْفِي النَّار لو حِنَّا شَعَلْناها .
وسوف أتناولُ أوَّلَ بيتين منها ( المَطْلعَ ) ؛ وهما :
عَدِّيْت في مَرْقَبِ (نْ ) والليل مِمْسِيْني
...... بِدْيار غُرْبِ ( نْ ) ، لَعَلْ السَّيْل ما جاها
أضْحَكْ مع اللِّي ضِحِكْ ، والهَمْ طاويني
...... طَيِّةْ شُنُوْن العرب لا قَطَّروا ماها .
فالشاعرُ يعيش أزمةً نفسيةً وذلك يتَّضِحُ في هذا المَطْلع الحزين ، فالليلُ ضاربٌ أطنابَهُ ، ومحيطٌ بروح الشاعر التي لم تَنلْ مُناها مِمَّنْ أحبَّتْ .
وهو يَجُدُّ السيرَ في بلادٍ غريبةٍ عليه ( الشام ) ، وهذه البلاد لم يَزُرْها ( السيلُ ) الذي فيه الحياةُ للناس ، فروحُهُ مثلُ الارض التي غاب عنها الماء ؛ جفافٌ وتشققاتٌ ...
رغم هذه الاوجاع الروحية إلا أنَّه يُظْهِرُ لِمَنْ حوله الفرحَ والضَّحِكَ حتى لا يَطَّلِعوا على سِرِّه وبلواه ، فالهمُّ مُلْتَفٌّ حولَ عُنُقِهِ يَعْصِرُهُ ويقبضُهُ ؛ يُريدُ استخراجَ قَطْرَةَ روحِهِ !
وهذا القبضُ والعصرُ يُشبِهُ ما يفعلُهُ البدوُ بِشَنَّةِ الماءِ ( القربة ) ، إذا انقطعوا في الفيافي والبيد ، فهم يقبضونها ويطوونها طَيَّاً شديدا لاستخراجِ آخرِ قطرةِ ماءٍ من هذه ( القربة ) ، فهذا ما يجدُهُ شاعرُنا العاشقُ من الطَيِّ والقبضِ لروحِهِ المُوْجَعَةِ .
فَذِكْرُ السيلِ وشَنَّةِ الماءِ في هذين البيتين ، وَذِكْرُهما جاء في سياق النَّفْي أي أنَّهما غيرِ موجودين ، والماءُ هو سِرٌّ الحياةِ ، فكذلك ما يُنْعِشُ روحَه قد غاب ولم يَنَلْهُ !
العودة إلى صفحة الكاتب