يا طاري الغدران ، والعمر رشفه
شريف الترباني
لقد وعدت بعض الأخوة بشرح أبيات ثلاثة للشاعر حسين بن مطر ، وهذا المشروع بدأت به من مديدة لما رأيت عزوف شبابنا العربي المسلم عن لغتهم العريقة ونبعهم الثر ، وورودهم الاسن والاجاج !!
قال حسين بن مطر :
وقد تغدر الدنيا ؛ فيضحي فقيرها
..... غنيا ، ويغنى بعد بؤس فقيرها
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه
..... حلاوته تفنى ، ويبقى مريرها
وكم قد رأينا من تغير عيشة
.....وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها !!
الشاعر يبدأ بتقرير حقيقة الدنيا وهي تقلبها وعدم استقرارها على حال !
وبدأ البيت الأول بالحرف ( قد ) الذي يفيد هنا التكثير ، كما نقول : قد يجود الكريم .
فالدنيا كثيرة الغدر والتقلب ولا تقف على حال ، وقد ذكر الله الايام : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ... ) .
وقال الشاعر :
لا تنكري يا عز ان ذل الفتى
..... ذو الأصل واستعلى خسيس المحتد
ان البزاة رؤوسهن عواطل
.....والتاج معقود برأس الهدهد .
وقد ذكر الشعراء هذا التلون والتقلب الذي هو ديدن الدنيا وهجيرها ، ففقيرها قد يتحول إلى غني ، وغنيها إلى فقير ...
وفي البيت الأول الذي يقرر تلون الدنيا ، جاءت الأفعال مضارعة تفيد الاستمرارية ( تغدر ، فيضحي ، يغنى ) وهذا اللائق بالدنيا وحقيقتها .
وفي خضم تلون الدنيا وقيامها وقعودها بأبنائها ، قد يخضع بعض أبنائها لاطماعها وزينتها والخوف من فقرها وكبوها ، فيأخذ طريقا حراما يشبع غرائزه واطماعه ، حتى والحال هذه فهي مرة وعلقم ، فحلاوة حرامها قصيرة المكث سريعة الترحل ، ومرارة حرامها لذاعة الجوف ، مردية العمر !
وفي البيت الأخير يخبر الشاعر عن ضربات الدنيا التي تسفر عن صفاء وعكر ، فكم تغيرت حياة قوم الى سوء وبؤس ، وتحولت حياة قوم الى غنى وصفاء وسعادة !!
هي الدنيا لا أمان لها ، ومصيرها اما إلى زوال او إلى تبدل .
فعبر شاعرنا عنها بالغدير ، وهذا احتوى على نكتة تؤيد حقيقة الدنيا وتؤكدها ، فالغدير هو ماء غادر اصله و منبعه ، ومصيره الى نشفان وجفاف ، والغدير في الغالب ما سقط فيه من المعكرات والحشرات والعيدان ، وكذلك الدنيا مليئة بالمنغصات !
وعلى ذكر الغدير الذي هو الدنيا اذكر ابياتا لشاعر العامية حيث قال :
يا طاري الغدران ، والعمر رشفه
..... مع قلها ، يا ليتها يوم تصفى .
العودة إلى صفحة الكاتب